الفصل الاول

الشيخ الكُليني و عِللُ الغيبة

إن الشيخ الكُليني (ره) صنّف الكتاب الكبير المعروف به المسمّى بالكافي في عشرين سنة.

مات ببغداد سنة ثلاثمائة و تسع عشرين، قال ذلك الشيخ النجاشي في رجاله(1) يؤرّخ للعشرين عاماً التي صرفها الشيخ الكليني في تأليفه للكافي منذُمتى؟ إلى متى ويظهر أن ذلك كان بعد الثلاثمائة إلى ماقبل وفاته بعشر سنين.

أي فيما بين الثلاثمائة إلى الثلاثمائة والعشرون للهجرة تقريباً، اي إن ذلك كان بعد بداية الغيبة الصُغرى بأربعين عاماً تقريباً.

وفي كتابه الكافي عقد لصاحب الزمان عجل الله فرجه الشريف ثمانية أبواب في عشرين صفحة، بابان منها في الغيبة ذلك في عشرة صفحات، من دون عنوان:

علّة الغيبة. الأول من البابين، باب نادر في حال الغيبة، فيه ثلاثة أخبار ليس فيها شيء عن عِلل الغيبة، وفي الباب الثانى منهما ثلاثون حديثاً.

1 ـ حكمة المحنة و التمحيص:

الحديث الثاني في الباب الثاني للغيبة: بسنده عن الإمام الكاظم عليه السلام قال: إنّه لابدّ لصاحب الأمر من غيبة حتى يرجع عن هذا الأمر مَنْ كان يقول به; إنّما هي فتنة من الله عزّوجلّ امتحن بها خلقه.

الثالث فيه: بسنده عن أبيه الإمام الصادق عليه السلام قال: أما والله ليُغيّبنّ امامكم سنيناً من دهركم (و) لمُتَحَصُنّ حتى يُقال: مات أو هلك بأىّ واد سلك.

والخبر الخامس فيه، بسنده عنه عليه السلام ايضاً قال: اِن للقائم غيبة قبل أن يقوم. اِنّ الله عزّوجلّ يحبّ أن يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون.

ثم عقد لهذا المعنى باباً مستقلاً بعنوان: باب التمحيص والامتحان، ضمّنه ستة أخبار عن الأئمة الأطهار عليه السلام، آخرها عن منصور الصيقل قال: كنت أنا والحارث بن المغيرة وجماعة من أصحابنا جلوساً (نتحدّث عند الإمام الصادق عليه السلام) و هو يسمع كلامنا، فقال لنا: في أىّ شىء انتم؟ هيهات هيهات، لا والله لا يكون ما تمدون اليه اعينكم حتى تُغربلوا، لا والله لا يكون ما تمدون اليه اعينكم حتى تمحّصوا، لا والله لا يكون ما تمدون اليه اعينكم حتى تميَّزوا، لا والله لا يكون ما تمدّون اليه اعينكم إلاّ بعد إياس، لا والله لا يكون ما تمدون اليه أعينكم حتى يشقى من يشقى ويُسعد مَنْ يُسعد.

واختصره في الخبر الثالث: عن منصور الصيقل نفسه قال: قال لي أبو عبدالله الصادق عليه السلام: يا منصور، إنّ هذا الأمر لا يأتيكم إلاّ بعد إياس، و لا والله حتى تميّزوا، و لا والله حتى تُمحّصوا، و لا والله حتى يشقى مِنْ يشقى و يُسعد مِنْ يُسعد.

و هذا هو الخبر المرتبط بالموضوع و ما عداه في مطلق التمحيص و الإمتحان، وقد مرّ أن الكليني لم يُعنون شيئاً من ذلك بعلّة الغيبة أو نحوه، وسيأتي من الشيخ الطوسي التنبيه إلى أن ذلك لا يمكن أن يكون علّة للغيبة.

2 ـ حكمة الخوف على النفس:

وأربعة من أخبار الباب هي: 5 و 9 و 18 و 29 كُلّها عن زُرارة عن الصادق عليه السلام لا أحسبها إلاّ خبراً واحداً بثلاثة طرق، اقصرها التاسع و الثامن عشر، و أطول منها التاسع والعشرون، و اكملها الخبر الخامس الذى مرّ صدره وذيله قال فيه زُرارة: سمعت أباعبدالله عليه السلام يقول: إنّ للقائم غيبةً قبل أن يقوم. قلت: و لِمَ؟ قال: يخاف. و أومأ بيده إلى بطنه.

3 ـ علّة أن لا تكون عليه بيعة:

و في الخبر السابع و العشرين من أخبار باب الغيبة: بسنده عن هشام بن سالم عن الصادق عليه السلام أيضاً قال: يقوم القائم وليس في عُنقه عهد ولاعقد ولا بيعة.


 

الهوامش


(1) رجال النجاشي: 377، رقم 1027.