الفصل الثاني

الشيخ النعماني و أول كتاب في الغيبة

في أوائل عهد الغيبة الصغرى في بلدة النعمانية وُلد لابراهيم بن جعفر ولدٌ سماه محمداً، درس أوائل العلوم على يد ولده ثم رحل في طلب العلم إلى بغداد و فسكنها.

وفي اوائل القرن الرابع الهجري هاجر الشيخ الكليني الرازى الى بغداد، و فيها و بعد عشرون عاماً من التصنيف تمّ كتابه (الكافي) و خلال هذه الفترة وازره الشيخ ابوعبدالله محمد بن ابراهيم النعمانى لطلب العلم و الروآية فاختص به و كان يكتب له كتاب كانت يومئذ مدينة حلب و الشام تبعاً لمصر يحكمها الأمير كافور الأخشيدى فاستقلّ بالأمر فى حلب سيف الدولة علي بن عبدالله بن حمدان عام 333 هـ واستولى على الشام و الجزيرة، فتوافد عليه حملة العلم ونوابغ الشعراء(1) فكان ممن و فد عليه الشيخ النعماني من بغداد.

بعد حدود عشرة سنين في أواخر سنة 342 هـ. املى النعمانى على كاتبه محمد بن أبي الحسن الشجاعي كتابه في الغيبة(2) كتب في مقدمة كتابه سبب تأليفه ايّاه فقال:

«فإنّا رأينا طوائف من العصابة المنسوبة إلى التشيّع، المنتمية إلى محمد وآله صلّى الله عليهم ممن يقول بالإمامة.. قد تفرقت كلمتها وتشعبت مذاهبها، و استهانت بفرائض الله عزّوجلّ و خفّت إلى محارم الله تعالى، فطال بعضها غُلّواً، و انخفض بعضها تقصيراً، و شكّوا جميعاًـ إلاّ القليل ـ في امام زمانهم و وليّ أمرهم و حجة ربّهم التي اختارها بعلمه... للمحنة الواقعة بهذه الغيبة.. فلم يزل الشك و الارتياب قادحَين في قلوبهم، كما قال أميرالمؤمنين عليه السلام في كلامه لكميل بن زياد في صفة طالبي العلم و حملته: «أو منقاد لأهل الحق لا بصيرة له، ينقدح الشك في قلبه لأول عارض من شبهة» حتى اتاهم ذلك إلى التيه و الحيرة، و العمى و الضلالة، و لم يبق منهم إلاّ القليل النذر الذين ثبتوا على دين الله و تمسّكوا بحبل الله، و لم يحيدوا عن صراط الله المستقيم، و تحقق فيهم و صف الفرقة الثابتة على الحق التي لا تزعزعها الرياح و لا يضرّها الفتن، و لا يغرّها لمع السراب، و لم تدخل في دين الله بالرجال فتخرج منه بهم..

.. و لعمري ما أتى مَنْ تاه و تحيّر و افتتن و انتقل عن الحق و تعلّق بمذاهب اهل الزخرف و الباطل، إلاّ من قلّة الرواية و العلم و عدم الدراية و الفهم، فإنّهم الأشقياء لم يهتمّوا بطلب العلم و لم يتّعبوا أنفسهم في اقتنائه و روايته من معادنه الصافية، على انهم لو رووا ثم لم يدروا لكانوا بمنزلة مَنْ لم يرووا..

.. و اكثر مَنْ دخل في هذه المذاهب إنّما دخل على أحوال: فمنهم: مَنْ دخله بغير رواية و لا علم، فلما اعترضه يسير الشبهة تاه.

و منهم: مَنْ اراده طلباً للدنيا وحطامها، فلما أماله الغواة و الدنياويون إليها، مال مؤثراً لها على الدين، مغترّاً مع ذلك بزخرف القول غروراً من الشياطين..

.. ومنهم: مَنْ تحلّى بهذا الأمر للرياء و التحسّن بظاهره و طلباً للرئاسة وشهوة لها و شغفاً بها، من غير اعتقاد للحق و لا اخلاص فيه، فسلب الله جماله وغيّر حاله و أعدّ له نكاله.

ومنهم: مَنْ دان على ضعف من إيمانه و وهن من نفسه بصحة ما نطق به منه، فلما وقعت هذه المحنة (الغيبة) التي آذننا أولياء الله بها منذ ثلاثمائة سنة تحيّر ووقف..

.. فقصدت القربة إلى الله عزّوجلّ بذكر ماجاء عن الأئمّة الصادقين الطاهرين: من لدن أميرالمؤمنين عليه السلام إلى آخر مَنْ روى عنه منهم، فى هذه الغيبة التي عمى عن حقيقتها و نورها مَنْ أبعده الله عن العلم بها و الهداية إلى ما أُوتي عنهم عليه السلام فيها، ما يصحّح لأهل الحق مارووه ودانوا به، و تؤكّد حجّتهم بوقوعها وبصدق ما آذنوا به منها..»

وكأن النعمانىّ رأى أن ما رواه شيخه الكليني في «اُصول الكافي» في زهاء الستين خبراً في عشرة صفحات غير كاف أو غير شاف لغليل هذا الجمع غير القليل عن هذه الشُبهة الكثيرة و غير القليلة بشأن الغيبة، فجمع في أول كتاب مستقل في الغيبة في خمسة و عشرون باباً ماوفقه الله لجمعه من الأحاديث التي رواها الشيوخ عن الأئمة الصادقين عليه السلام أجمعين في الغيبة بحسب ما حضره.

 1 ـ النعمانى و حكمة التمحيص:

لم يُخصّص النعماني باباً من الخمس و العشرين باباً بعلّة أو حكمة الغيبة، نعم خصّص الباب الحادي عشر منها بعنوان ماروى فيما يلحق الشيعة من التمحيص عند الغيبة، ونوّه إليه في مقدمته بعنوان باب مايلحق الشيعة من التمحيص و الغربلة والتفرقة، وقد قدّم في المقدمة من جملة ما أورده في ذلك الباب حديثين.

ونصّ النعماني على أن التمحيص علّة الغيبة في الباب السابع.

قال: والغيبة.. للأمر الذي يريده الله والتدبير الذى أمضاه في الخلق بوقوع التمحيص و الإمتحان والبلبلة و الغربلة للتصفية فيمن يدّعى هذا الأمر.

وقال، اِن هذا الامام جُعل كمال الدين به وعلى يديه، وتمحيص الخلق وإمتحانهم وتمييزهم في غيبته لتحصيل الخاص الخالص الصافي منهم بالإقامة على نظام أمره و الإقرار بإمامته، و الديانة لله بانه حق و أنه كائن، و أن أرضه لا تخلو منه و أن غاب شخصه، تصديقاً و إيماناً و إيقاناً بكل ما قاله رسول الله و أمير المؤمنين والأئمة عليه السلام وبشّروا به من قيامه بعد غيبته بالسيف عند اليأس منه.

وختم الباب بقوله: غيبة إلامام في هذا الزمان الذى نحن فيه لتمحيص مَنْ يُمَحَّص وهلكة مَنْ يهلك ونجاة مَنْ ينجو بالثبات على الحق ونفيّ الريب و الشك، والايقان بماورد من الأئمة عليه السلام من أنه: لابدّ من كون هذه الغمة ثم انكشافها عند مشيئة الله لا مشيئة خلقه و اقتراحهم.

جعلنا الله من المؤمنين المتمسّكين بحبله وممن ينجو من فتنة الغيبة التي يهلك فيها مَنْ اختار لنفسه ولم يرض باختيار ربّه واستجعل تدبير الله ولم يصبر كما أمر.

ومن رواياته في ذلك: مارواه عن الإمام الصادق عليه السلام عن الإمام علي عليه السلام، قال: وليبعثَنّ الله رجلاً من وُلدي فى آخر الزمان، يُطالب بدمائنا، و ليُغيّبنّ عنهم، تمييزاً لأهل الإمام الصادق عليه السلام قال: «اِن الله يمتحن قلوب الشيعة» ثم ما رواه عن الإمام الباقر عليه السلام وقد مرّ وسيجىء استبعاد الشيخ الطوسي(ره) أن تكون المحنة وحكمة الغيبة. ومثله عن الرضا عليه السلام

 2 ـ النعماني و علّة أن لا تكون عليه بيعة:

في الخبر السابع و الأربعين من باب: ماروى في غيبة الإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف روى بسنده عن الكُناسي عن الإمام الباقر عليه السلام قال: «إنّ لصاحب هذا الأمر غيبتين (و) لا يقوم القائم ولأحد في عُنقه بيعة».

ثم روى ما رواه الكليني عن هُشام بن سالم عن الصادق قال: «يقوم القائم وليس لأحد في عُنقه عقد ولاعهد ولابيعة».

 3 ـ النعماني و علّة الخوف على النفس:

والأخبار الأربعة أو بالأحرى الأسناد الأربعة لخبر زرارة عن أحدهما عليه السلام التي رواها الكليني في «الكافى» رواها النعماني في غيبته وزاد عليها طريقين آخرين.

ذكر ثلاثة طرق لخبر المفضّل بن عمر عنه عليه السلام قال: «إذا قام القائم تلا هذه الآية: (ففررتُ منكم لمّا خِفْتُكُم (3) ثم علّق عليها قال: هذه الأحاديث مصداق قوله: اِنّ فيه سُنّةً من موسى و أنه خائف يترقّب».

4 ـ كراهية التوقيت؟

مرّ أن الشيخ الكليني في «الكافي» عقد ثمانية أبواب لصاحب الزمان عجل الله فرجه الشريف سادسها بعنوان: (باب كراهية التوقيت)، روى فيه خبرين عن الإمام الباقرعليه السلام و خمسة أخبار عن الإمام الصادق عليه السلام في نفى التوقيت لظهوره عجل الله فرجه الشريف، و يبقى أنه لماذا عبّر عنه بالكراهية دون الحرمة؟

عسى ولعلّه ورد في بعض الأخبار عنهم عليه السلام و بالخصوص في خبرين عن الصادق عليه السلام، ذكرهما النعماني في الباب نفسه وأولهما الخبر 86 عن الكليني ـ وليس في الكافي ـ بسنده عن علي بن أبي حمزة البطائني، عنه عليه السلام قال:

لابدّ لصاحب الأمر من غيبة.. و ما بثلاثين من وحشة.

والثاني هو الخبر التسعون بسنده عنهعليه السلام قال: القائم من ولدي يُعمّر عمر الخليل: مائة و عشرين سنة ويظهر في صورة شاب ابن اثنين وثلاثين سنة.

ثم علّق عليهما فقال: إن قولهم الذي يُروى عنهم في الوقت إنّما هو على جهة التسكين للشيعة والتقريب للأمر عليها; اِذ كانوا قد قالوا:

إنّا لانوقّت، و مَنْ روى لكم عنّا توقيتاً فلا تصدقوه (بل) ولاتهابوا أن تُكذّبوه ولا تعملوا عليه.

ثم عنون النعمانى باباً بعنوان: ما جاء في المنع عن التوقيت و التسمية لصاحب الأمر عليه السلام، أورد فيه خمسة عشر خبراً، السبعة الأخيرة منها هى التى أوردها شيخه الكليني في باب كراهية التوقيت من «الكافي».

سادسها: ما رواه بسنده، عن الحسن بن علي بن يقطين، عن أخيه الحسين عن ابيهما عن الإمام الكاظم عليه السلام قال: يا علي، إن الشيعة تُربّى بالأماني منذ مئتيّ سنة.

وكان ابوه يقطين من موالي بني العباس فقال لابنه علي:

ما بالنا قيل لنا فكان، وقيل لكم فلم يكن؟!

فأجابه علىّ ابنه قال: إن الذي قيل لنا ولكم كان من مخرج واحد، غير أنّ أمركم حضر فأعطيتم محضه فكان كما قيل لكم، و إن أمرنا لم يحضر فعلِّلنا بالأماني إذ لو قيل لنا، إن هذا الأمر لايكون إلا إلى مئتي سنة أو ثلاثمائة سنة ليئست القلوب وقست، ولرجع عامة الناس عن الإيمان إلى الإسلام، ولكن قالوا: ما اسرعه وما أقربه تألّفاً لقلوب الناس و تقريباً للفرج.


 

 

الهوامش


(1) تاريخ الشيعة: 139.

(2) الغيبة للنعماني: 9 ط بيروت، في الحاشية، و قارن: 103.

(3)  الشعراء: 26/21.