الفصل الثالث

الشيخ الصدوق وثاني كتاب في الغيبة

يبدو أن ولادة الشيخ على بن بابويه القميّ ـ نسبه إلى مدينة قم في ايران ـ كان بها حدود سنة 260 هـ (1) أيّ متقارنة بسنة وفاة الامام الحسن العسكري عليه السلام.

روى الشيخ الطوسي في الغيبة بسنده عن مشايخ من أهل قم قالوا: كان ابن بابويه قد تزوّج ابنة عمّه محمد بن موسى بن بابويه فلم يُرزق منها ولداً، فكتب إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح(ره) بأن يسال الحضرة ان يدعوا الله ان يرزقه أولاداً فقهاء.

فجاء الجواب: «إنّك لا تُرزق من هذه، وستملك جارية ديلميّة وترزُق منها ولدين فقيهين».

و كان ذلك في أوائل سفارة الحسين بن روح بعد موت محمد بن عثمان العَمريأي بعد سنة 305 هـ. و عليه فولادة الشيخ الصدوق كان في حدود 307 هـ وفي ما قبل الخمسين من عمر والده.

فلما بلغ اشدّه اربعين سنة طرق صيت فضله الآفاق بما فيها الرّي مدينته فالتمس أهلها منه الهجرة اليهم، فأجاب طلبهم و هاجر اليها.

وانتشرت شهرته حتى بلغت الملك ركن الدين أبا علي الحسن بن بويه الديلمى، فارسل إليه يستدعي حضوره لديه، فحضر عنده، زُهاء عشرة سنين من 342 إلى 352 حيث عزم على السفر إلى خراسان لزيارة مشهد الإمام الرضا عليه السلام و ذلك في شهر رجب الحرام.

فلما قضى و طره من زيارة الإمام الرضا عليه السلام رجع إلى نيشابور (فى شهر شعبان) و قام بها، فوجد أكثر المتردّدين عليه من الشيعة «قد حيّرتهم الغيبة، ودخلت عليهم في أمر القائم عليه السلام الشبهة» حتى ورد اليه من بخارا شيخ من أهل الفضل والعلم والنباهة في بلدة قم وهو الشيخ نجم الدين أبو سعيد محمد بن الحسن ابن الصلت القمّي، فبينا هو يحدّثه ذات يوم إِذ ذكر له عن رجل لقيه في بخارا من كبار الفلاسفة والمنطقيين، ذكر عنه كلاماً في القائم عليه السلام قد حيّر الشيخ نجم الدين القمّي و شككّه في امره عليه السلام لطول غيبته وانقطاع أخباره.. و سال الشيخ نجم الدين القمّي من الشيخ الصدوق أن يصنِّف له كتاباً في هذا المعنى، فوعده الشيخ الصدوق باجابة ملتمسه وجمع ما ابتغاه منه عند عودته إلى وطنه ومستقرّه في الرىّ.

(للأخبار) إلى الآراء والمقاييس لذلك فهو قبل تفصيله الفصول برواية أخبار في الغيبة عن النبي والأئمة عليه السلام، يبدأ بمناقشة الشُبه بالآراء والمقاييس خليطة بالأخبار.

فيقول: إنّ خصومنا قالوا: إِنّه قد مضى على قولكم من عصر وفاة النّبي أحد عشر إماماً، كلّ منهم كان موجوداً معروفاً باسمه وشخصه بين الخاص والعام، فإن لم يوجد صاحب زمانكم كوجود مَن تقدمه من آبائه الأئمة عليه السلام فقد فسد عليكم أمر مَن تقدم من أئمتكم كفساد أمر صاحب زمانكم هذا في تعذّر وجوده.

 1 ـ الصدوق و علّة الخوف على النفس:

قال الصدوق أقول: إنه قد ثبت ان ظهور حُجج الله تعالى في مقاماتهم في دول الباطل، على سبيل التدبير و الامكان لأهل ذلك الزمان; فان كانت الحال ممكنة لوجود الحجة بين الخاص و العام، كان ظهور الحُجّة كذلك.

و إِن كانت الحال غير ممكنة لوجود الحجة بين الخاص و العام، و كان مما توجب الحكمة و يقتضيه التدبير استتاره، ستره الله و حجبه إلى وقت بلوغ الكتاب اجله، كما قد وجدنا ذلك في حجج الله المتقدّمين من عصر آدم عليه السلام إلى حين زماننا هذا.

فمنهم المستعلنون و منهم المستغفون، و بذلك نطق الكتاب العزيز، و ذلك قوله تعالى: (و رُسلاً قد قصصناهم عليك و رُسلاً لم نقصصهم عليك ).

ثم روى بسنده عن الامام الصادق عليه السلام قال لعبد الحميد ابن ابى الديلم: يا عبدالحميد، اِنّ لله رسلاً مستعلنين و رسلاً مستخفين، فاذا سألته بحق المستعلنين فسله بحق المستخفين.

ثم قال الصدوق: فكانت حجج الله تعالى كذلك من وقت وفاة آدم عليه السلام وقت ظهور ابراهيم عليه السلام أوصياء مستعلنين و مستخفين.

فلما كان وقت تكوين ابراهيم عليه السلام فإمكان ظهور الحجة كان متعذراً في زمانه (و ذلك أن) نمرود كان يقتل أولاد رعيّته و أهل مملكته في طلبه.. و لذلك لسترالله وجوده و أخفى ولادته.. و بعد أن بلغت الغيبة أمدها دلّهم ابراهيم على نفسه و أظهر لهم أمره الذى اراده الله من اثبات حجته و اكمال دينه.

فلما كان وقت وفاة ابراهيم عليه السلام كان له اوصياء حججاً لله عزّوجل في ارضه يتوارثون الوصيّة كذلك مستعلنين و مستخفين، الى وقت موسى عليه السلام.

و في وقت موسى عليه السلام كان فرعون يقتل أولاد بنى اسرائيل في طلب موسى عليه السلام الذى كان قد شاع ذكره و خبر وجوده.

فسترالله ولادته حتى قذفت به اُمه في اليم كما أخبرالله عزوجل في كتابه ثم كان من أمره بعد أن اظهر دعوته و دلّهم على نفسه ما قصّه الله في كتابه كذلك.

و لما كان وقت وفاة موسى عليه السلام كان له اوصياء حُججاً لله كذلك مستعلنين و مستخفين إلى وقت ظهور عيسى عليه السلام.

و عيسى عليه السلام ظهر منذ ولادته مُعلناً لدلائله مُظهراً لشخصه شاهراً لبراهينه، غير مُخف لنفسه، لأن زمانه كان زمان امكان ظهور الحجة كذلك.

ثم كان له من بعده أوصياء حججاً لله عزوجل كذلك مستعلنين و مستخفين، إلى وقت ظهور نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم.

و بعد ظهور نبينا صلى الله عليه وآله وسلم كان مما قيل له على سنن من تقدمه من الرسل.

أن يقيم لنفسه اوصياء كإِقامة من تقدمه لأوصيائهم.

فأقام رسول الله أوصياء كذلك.

و من المعروف المتسالم عليه بين الخاص و العام من أهل هذه الملة: أن الإمام الحسن بن على العسكرى والد الإمام زماننا عليه السلام كان قد وكّل به طاغية زمانه حتى وفاته، فلما توفى وكّل بحاشيته و أهله، و حُبست جواريه و طُلب مولوده هذا أشدّ الطلب.. فجرت السنة في غيبته بماجرى من سنن غيبته من ذكرنا من الحجج المتقدمين، و ثبت من الحكمة فى غيبته ما ثبت من الحكمة في غيبتهم.

هذا، و قد عنون محقق الكتاب هذا المقطع منه بعنوان:

اثبات الغيبة و الحكمة فيها. مقتبساً ذلك من اوّل مقال الصدوق.

اِن الغيبة التى وقعت لصاحب زماننا عليه السلام قد بان حقّها و فلجت حجتها و لزمت حكمتها من استقامة تدبيرالله و حكمته في حججه المتقدمين عند استعلاء الفراعنة و تظاهر الطواغيت و ائمة الضلال في الأعصار السالفة و القب الخالية، و ما نحن فيه في زماننا هذا من تظاهر أئمة الكفر بمعونة أهل الافك و البهتان و العدوان.

فالشيخ الصدوق هنا يقرّر: ان الحكمة في غيبة الحجة اليوم هو عين ماسبق من الحكمة في استتار حجج الله المتقدمين من المرسلين و الأنبياء و الأوصياء من خوفهم على انفسهم من حيف الفراعنة و الطواغيت والبطشهم بهم و قتلهم قبل اداء أدوارهم.

ولتصديق هذه الحكمة السابقة والثابتة والعامّة لم يستشهد الصدوق بنصّ من أخبارهم عليه السلام سوى ما مرّ ذكره عن الصادق عليه السلام في: «أن لله رسلاً مستعلنين و رسلاً مستخفين».

ثم بدأ الجزء الثانى من الكتاب بباب ما روى عن الامام الصادق عليه السلام من النصّ على القائم عليه السلام و ذكر غيبته.

وفي الخبر الرابع و العشرين روى الخبر السابق عن الامام الصادق عليه السلام في الخوف على النفس، و بذيل قوله: غير أن الله تبارك و تعالى يحبّ أن يمتحن الشيعة، و يكرّره في الثالث و الثلاثين بلفظ، لأن الله عزّوجلّ يحبّ أن يمتحن خلقه، فعند ذلك يرتاب المبطلون.

 2 ـ الصدوق و حكمة التمحيص:

في الخبر الخامس و الثلاثين روى الخبر السابق عن المفضّل بن عمر عن الامام الصادق عليه السلام أيضاً في التمحيص و بعده عن عبدالرحمن بن سيابه عنه عليه السلام أيضاً قال: كيف انتم اذا بقيتم بلا امام هدى، ولاعلم، يتبرأ بعضكم من بعض، فعند ذلك تميزون وتمحصّون و تُغربلون.

وفي الخبر الخمسين عاد على المفضل فروى عنه عن الصادق عليه السلام ايضاً قال: تمتدّ أيام غيبة القائم ليصرّح الحق عن محضه، و يصفو الايمان من الكدر، بارتداد كلّ من كانت طينته خبيثة من الشيعة الذين يُخشى عليهم النفاق اِذا أحسّوا بالاستخلاف و التمكين و الأمن المنتشر في عهد القائم عليه السلام.

ثم عقد باباً بعنوان: باب علة الغيبة، و ذكر فيه احد عشر خبراً، سادسها:

عن سَدير الصيرفى الكوفى عن الصادق عليه السلام ايضاً قال: اِن للقائم منا غيبة يطول امدها. فقلت له: يابن رسول الله و لِمَ ذلك؟ قال: لأن الله أبى إلا أن تجرى فيه سنن الأنبياء فى غيباتهم.

و ختم الباب بما أسنده إلى عبدالله بن الفضل الهاشمى أنه سمع الامام الصادق عليه السلام أيضاً يقول: اِن لصاحب هذا الأمر غيبة لابدّ منها، يرتاب فيها كل مبطل، فقلت: جعلتُ فداك.. فما وجه الحكمة فى غيبته؟ قال: وجه الحكمة فى غيبته هو وجه الحكمة فى غيبات من تقدّمه من حجج الله تعالى ذكره(2).

فهذان حديثان لهذه الحكمة.

و فى مقدمته للكتاب و ذكر سبب تأليفه اياه يروى رؤيا رآها فى نيشابور عند عودته من زيارة مشهد الرضا عليه السلام.

رأى فيها الامام صاحب الزمانعجل الله فرجه الشريف واقفاً بباب الكعبة، فسلّم عليه فرّد عليه السلام ثم قال له:

صنّف الآن كتاباً فى الغيبة واذكر فيه غيبات الأنبياء عليه السلام فذكر غيباتهم فى سبعة ابواب فى زهاء ثلاثين صحيفة تقريباً.

و هو لما يقرّر هذه الحكمة السابقة و الثابتة و العامّة لا يعنى ذلك أنه يحصر حكمة الغيبة فيها ولايصدّق غيرها، و انما يعنى أنه قدّمها هنا على ما سواها من الحِكم، و لعل ذلك للرؤيا التى رآها و الإشارة التى تلقّاها منه عليه السلام.

وهذه الحكمة لا تختلف مع حكمة الخوف على النفس دون اداء الدور بل هى هى بالذات تماماً.

ولهذه الحكمة جاء بأربعة أخبار كلها عن زرارة هى فى الحقيقة خبران عن الباقر و الصادق عليه السلام. فعن الباقرعليه السلام قال: إن للقائم غيبةً قبل أن يقوم. قال زرارة: قلت: و لِمَ؟ قالعليه السلام: يخاف، و أومَأ إلى بطنه.

وفى الآخر، قال: اِن للقائم غيبةً قبل ظهوره. قال زرارة: قلت: و لِمَ؟ قال: يخاف، و أومَأ بيده إلى بطنه، قال زرارة: يعنى القتل.

وفى خبره عن الامام الصادق عليه السلام قال: يا زرارة، لابدّ للقائم من غيبة. قلت: و لِمَ؟ قال: يخاف على نفسه، و أومأ بيده إلى بطنه.

وفى الآخر عنه عليه السلام قال: للقائم غيبة قبل قيامه، قلت: و لِمَ؟ قال: يخاف على نفس الذبح.

وهما الخبران السابقان عن الكلينى.

 3 ـ الصدوق و علّة أن لاتكون عليه بيعة:

قدّم الشيخ الصدوق قبل الاخبار بهذه الحكمة خمسة اخبار هى فى الحقيقة اربعة اخبار يتّحد الأول منها و الأخير عن أبى بصير عن الامام الصادق عليه السلام قال: صاحب هذا

الأمر يغيب عن هذا الخلق لئلايكون لأحد فى عنقه بيعةً اذا خرج.

الثانى و الثالث عن جميل بن صالح و هشام بن سالم عن الامام الصادق عليه السلام أيضاً قال: يقوم القائم او يبعث القائم و ليس فى عنقه بيعة لأحد، أو: ليس لأحد فى عنقه بيعة.

والخبر الأخِر هو السابق عن الكلينى فى «اصول الكافى».

ينفرد خبر آخر عن الحسن بن على بن فضّال عن الامام الرضا عليه السلام قال: كأنّى بالشيعة عند فقدهم الثالث من ولدى كالنعَم يطلبون الراعى فلا يجدونه، فان امامهم يغيب عنهم. قال: فقلت له، و لِمَ ذاك يابن رسول الله؟ قال: لئلا يكون لأحد فى عنقه بيعة اِذا قام بالسيف.

فهذه الأخبار العشرة العمدة فى باب علة الغيبة قد تشاطرت حكمة الغيبة فى حكمتين: الاولى، الخوف على النفس، و الثانية: ان لا يكون على ذمّته بيعة لأحد، وواضح ان هذه الحكمة الثانية حكمة ثانوية تنزيلية اى على فرض الظهور فانه لاينجو من القتل الا بالبيعة للظالمين.

بفارق أن الخبرين عن الامام الباقر عليه السلام اقتصرا على حكمة الخوف على النفس وتكررّت فى خبرين آخرين عن الامام الصادق باضافة ثلاثة اخبار اخرى عنه عليه السلام و آخر عن الامام الرضا عليه السلام فى حكمة أن لا تكون فى عنقه بيعة.

4 ـ الحكمة التفصيلية مكتومة:

آخر خبر يختم الشيخ الصدوق به باب علة الغيبة و ينفرد به عن الكلينى; هو ما تفضل به الصادق عليه السلام لعبدالله بن الفضل الهاشمى، فاشار فيه إلى ان هاتين الحكمتين المذكورتين انما هى حكم الاجماليّة.

وأما اكثر من ذلك على وجه التفصيل، فان وجه الحكمة فى ذلك لا ينكشف الابعد ظهوره، كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما آتاه الله الخضر من خرق السفينة وقتل الغلام واقامة الجدار لموسى عليه السلام إلى وقت افتراقهما... و متى علمنا أنه عزوّجل حكيم صدّقنا بأنّ افعاله كلها عن حكمة و اِن كان وجهها غير منكشف.

يابن الفضل، اِنّ هذا أمر من أمر الله و ستر من ستر الله و غيب من غيب الله.


 

 

الهوامش


(1) مقدمة معاني الأخبار للمرحوم الربّاني الشيرازي: 83.

(2) كمال الدين: 482، ب 10644.