|
عراقة الايمان بالمصلح العالمي: يعتبر الايمان بحتمية ظهور المصلح الديني العالمي، واقامة الدولة الالهية العادلة في كل الارض, من نقاط الاشتراك البارزة بين جميع الاديان,(1) والاختلاف فيما بينها انما هو في تحديد هوية هذا المصلح الديني العالمي, الذي يحقق جميع اهداف الأنبياء ـ عليهم السلام. وقد استعرض الدكتور محمد مهدي خان، في الابواب الستة الاولى من كتابه مفتاح باب الابواب, آراء الاديـان الستة المعروفة بشأن ظهور النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم, ثم بشأن المصلح العالمي المنتظر, وبين ان كل دين منها بشر بمجي ء هذا المصلح الالهي، في المستقبل اوفي آخر الزمان, ليصلح العالم, وينهي الظلم والشر, ويحقق السعادة المنشودة للمجتمع البشري.(2) كما تحدث عن ذلك مفصلا الـميرزا محمد الاسترابادي في كتابه ذخيرة الابواب، ونقل طرفا من نصوص وبشارات الكثير من الكتب السماوية لمختلف الاقوام بشأنه. وهذه الحقيقة من الواضحات، اقر بها كل من درس عقيدة المصلح العالمي، حتى الذين انكروا صحتها او شـكـكـوا فيها, كبعض المستشرقين امثال جولد زيهر المجري في كتابه العقيدة والشريعة في الاسلام,(3) فاعترفوا بأنها عقيدة عريقة للغاية في التأريخ الديني،وجدت حتى في القديم من كـتـب ديـانات المصريين والصينيين والمغول والبوذيين والمجوس والهنود والاحباش، فضلا عن الديانات الكبرى الثلاث: اليهودية والنصرانية والاسلام.(4) البشارات بالمنقذ عنصر اساسي في الكتب المقدسة والـملاحظ في عقائد هذه الاديان بشأن المصلح العالمي، انها تستند إلى نصوص واضحة في كتبهم الـمـقـدسة القديمة، وليس إلى تفسيرات عرضها علماؤهم لنصوص غامضة،حمالة لوجوه تأويلية متعددة,(5) وهذه الملاحظة تكشف عراقة هذه العقيدة، وكونها تمثل اصلا مشتركا في دعوات الأنبياء ـ صلوات اللّه عليهم ـ, حيث ان كل دعوة نبوية أو على الاقل الرئيسة والكبرى ـ تمثل خـطـوة عـلـى طـريـق الـتـمهيد لظهور المصلح الديني العالمي، الذي يحقق اهداف هذه الدعوات كـافـة,(6) كـمـا ان لـلـتبشير بحتمية ظهور هذا المصلح العالمي تأثيرا على هذه الدعوات، فـهـو يـشكل عامل دفع لاتباع الأنبياء للتحرك باتجاه تحقيق اهداف رسالتهم، والسعي للمساهمة في تـأهـيـل الـمـجتمع البشري لتحقيق اهداف جميع الدعوات النبوية كاملة, في عصر المنقذ الديني العالمي. ولذلك كان التبشير بهذه العقيدة عنصرا اصليا في نصوص مختلف الديانات والدعوات النبوية. رسوخ الفكرة في اليهودية والنصرانية: فـالايـمـان بـهـا ثابت عند اليهود, مدون في التوراة والمصادر الدينية المعتبرة عندهم, وقد فصل الـحـديـث عن هذه العقيدة عند اليهود كثير من الباحثين المعاصرين, وبخاصة في العالم الغربي, من امـثـال جـورج رذرفـورد فـي كتابه ملايين من الذين هم احيأ اليوم لن يموتوا ابدا, والسناتور الامـيركي بول منزلي في كتابه من يجرؤ على الكلام، والباحثة غريس هالسل في كتابها النبوءة والسياسة, و... غيرهم كثير.(7) فكل من درس الديانة اليهودية التفت إلى رسوخ هذه العقيدة فيها وسجلها, والنماذج التي ذكـرنـاها آنفا من هذه الدراسات, اختصت بعرض هذه العقيدة بالذات عند اليهود, والاثار السياسية الـتـي افـرزتـها نتيجة لتحرك اليهود انطلاقا من هذه العقيدة، وفي القرون الاخيرة خاصة، بهدف الاسـتعداد لظهور المنقذ العالمي، الذي يؤمنون به، وسبب هذا التحرك هو ان عقيدة اليهود في هذا المجال تشتمل على تحديد زمني لبدء مقدمات ظهور المنقذ العالمي: يبدا مع سنه (1914) للميلاد ـ وهـو عـام تفجر الحرب العالمية الاولى كما هو معروف ـ, ثم عودة الشتات اليهودي إلى فلسطين، واقامة دولتهم التي يعتبرونها من المراحل التمهيدية المهمة لظهور المنقذ الموعود, ويعتقدون بأن العودة إلى فلسطين هي بداية المعركة الفاصلة، التي تنهي وجود الشر في العالم، ويبدا حينئذ حكم الـملكوت في الارض لتصبح الارض فردوسا.(8) وبغض النظر عن مناقشة صحة ما ورد من تـفـصـيـلات فـي هـذه العقيدة عند اليهود, الا ان المقدار الثابت هو انها فكرة متأصلة في تراثهم الـديـني،وبقوة بالغة مكنت اليهودية ـ من خلال تحريف تفصيلاتها ومصاديقها ـ ان تقيم على اساسها تـحـركـا استراتيجيا طويل المدى وطويل النفس، استقطبت له الطاقات اليهودية المتباينة الافكار والاتجاهات، ونجحت في تجميع جهودها وتحريكها باتجاه تحقيق ما صوره قادة اليهودية لاتباعهم، بأنه مصداق التمهيد لظهور المنقذ الموعود.
وواضـح ان الايـمـان بـهـذه
العقيدة لو لم يكن راسخا
ومستندا إلى جذور عميقة في
التراث الديني الـيـهودي، لما
كان قادرا على ايجاد مثل هذا
التحرك الدؤوب، ومن مختلف
الطاقات والاتباع، فمثل هذا
لا يتأتى من فكرة عارضة او
طارئة، لاتستند إلى جذور
راسخة مجمع عليها. ويصرح علماء الانجيل بالايمان بحتمية عودة عيسى المسيح في آخر الزمان، لـيـقـود الـبـشرية في ثورة عالمية كبرى، يعم بعدها الامن والسلام كل الارض ـ كما يقول القس الالـماني فندر في كتابه ميزان الحق(9) ـ وانه يلجأ إلى القوة والسيف لاقامة الدولة العالمية العادلة. وهذا هو الاعتقاد السائد لدى مختلف فرق النصارى. الايمان بالمصلح العالمي في الفكر غير الديني. بـل والـمـلاحظ ان الايمان ـ بحتمية ظهور المصلح العالمي ودولته العادلة، التي تضع فيها الحرب اوزارها, ويعم السلام والعدل ـ لا يختص بالاديان السماوية، بل يشمل المدارس الفكرية والفلسفية غير الدينية ايضا. فـنـجـد فـي الـتـراث الفكري الانساني الكثير من التصريحات بهذه الحتمية، فمثلا يقول المفكر الـبـريـطـانـي الـشهير برتراند راسل: ان العالم في انتظار مصلح يوحده تحت لواء واحد وشعار واحد.(10) ويقول العالم الفيزيائي المعروف البرت اينشتاين صاحب النظرية النسبية: ان اليوم الذي يسود العالم كله فيه السلام والصفأ, ويكون الناس متحابين متخين ليس ببعيد.(11) وادق واصـرح مـن هـذا وذاك مـا قاله المفكر الايرلندي المشهور برناردشو, فقد بشربصراحة بحتمية ظهور المصلح، وبلزوم ان يكون عمره طويلا يسبق ظهوره، بما يقترب من عقيدة الامامية فـي طـول عـمر الامام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف, ويرى ذلك ضروريا لاقامة الدولة الموعودة. قال في كتابه الانـسـان الـسوبرمان ـ وحسب ما نقله الدكتور عباس محمود العقاد في كتابه عن برناردشو في وصف المصلح العالمي ـ بأنه: انسان حي ذو بنية جسدية صحيحة وطاقة عقلية خارقة، انسان اعلى يـتـرقـى اليه هذا الانسان الادنى بعد جهد طويل، وانه يطول عمره حتى ينيف على ثلاثمئة سنة، ويـسـتـطـيـع ان يـنـتـفـع بـمـا اسـتـجمعه من اطوار العصور, وما استجمعه من اطوار حياته الطويلة.(12) طول عمر المصلح في الفكر الانساني. الـملاحظ ان الاوصاف التي يذكرها المفكر الايرلندي للمصلح العالمي من الكمال الجسمي والعقلي، وطـول الـعـمـر, والـقـدرة على استجماع خبرات العصور والاطوار بما يمكنه من انجاز مهمته الاصلاحية الكبرى، قريبة من الاوصاف التي يعتقد بها مذهب اهل البيت ـ عليهم السلام ـ في المهدي الـمـنـتـظر عجل الله تعالى فرجه الشريف وغيبته. وقضية طول العمر في هذا المصلح العالمي مستجمعا ـ عند ظهوره ـ لتجارب العصور, لكي يكون قادرا على انجاز مهمته،(13) وهذه الثمرة متحصلة من غيبة الامام الـمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف الطويلة، حسب عقيدة الامامية الاثني عشرية، ولكن الفرق هو ان عقيدتنا في الامام الـمـعـصـوم تـقـول بـأنه مستجمع ـ منذ البداية ـ لهذه الخبرة والثمار المرجوة من طول عمره، فـهـو عجل الله تعالى فرجه الشريف مـؤهـل بدءالادأ مهمته الاصلاحية الكبرى مسدد الهيا لها, قادر عليها متى ما تهيأت الاوضاع الموائمة لظهوره. اجل، يمكن القول بأن طول الغيبة يؤدي إلى اكتساب انصاره والمجتمع البشري لهذه الثمار, فيستجمعونها جيلا بعد آخر.(14) الايمان بالمهدي تجسيد لحاجة فطرية:
ان ظـهـور الايمان بفكرة
حتمية ظهور المنقذ العالمي في
الفكر الانساني عموما, يكشف
عن وجود اسـس مـتينة قوية
تستند اليها, تنطلق من الفطرة
الانسانية، بمعنى انها تعبر
عن حاجة فطرية عامة يـشـتـرك
فـيها بنو الانسان عموما,
وهذه الحاجة تقوم على ما جبل
عليه الانسان، من تطلع مستمر
لـلـكمال بأشمل صورة، وان
ظهور المنقذ العالمي واقامة
دولته العادلة في اليوم
الموعود, يعبر عن وصول
المجتمع البشري إلى كماله
المنشود. بل لم يقتصر هذا الشعور بهذا الشعور الغيبي والمستقبل المنتظر، على المؤمنين ديـنـيـا بالغيب، بل امتد إلى غيرهم ايضا, وانعكس حتى على اشد الايدلوجيات والاتجاهات الغيبية رفضا للغيب، كالمادية الجدلية التي فسرت التاريخ على اساس التناقضات، وآمنت بيوم موعود تصفى فيه كل التناقضات، ويسود فيه الوئام والسلام. وهـكـذا نـجـد ان الـتجربة النفسية لهذا الشعور التي مارستها الانسانية على مر الزمان، من اوسع الـتـجـارب النفسية واكثرها عموما بين بني الانسان.(15) اذن، فالايمان بالفكرة التي يجسدها الـمهدي الموعود هي من اكثر الافكار انتشارا بين بني الانسان كافة، لانها تستند إلى فطرة التطلع للكمال بأشمل صوره، اي انها تعبر عن حاجة فطرية، لذلك فتحققها حتمي لان الفطرة لا تطلب ما هو غير موجود كما هو معلوم. موقف الفكر الانساني من غيبة المهدي ان الفكر الانساني لايرى مانعا من طول عمر هذا المصلح العالمي، الذي يتضمنه الايمان بغيبته وفقا لـمـذهب اهل البيت عليهم السلام, بل يرى طول عمره امرا ضروريا للقيام بمهمته الاصلاحية الكبرى كما لاحظنا في كلام المفكر الايرلندي برناردشو. وعليه فالفكر الانساني العام لا يرفض مبدئيا الايمان بـالـغيبة، اذا كانت الادلة المثبتة لها مقبولة عقليا.وقد تناول العلماء اثبات الامكان العقلي لطول عمر الامـام الـمـهـدي، وعـدم تعارضه مع اي واحد من القوانين العقلية، كما فعل الشيخ المفيد في كتابه (الفصول العشرة في الغيبة), والسيد المرتضى في رسالته (المقنع في الغيبة), والعلامة الكراجكي في رسالته (البرهان على طول عمر امام الزمان عليه السلام) التي تضمنها كتابه كنز الفوائد في جزئه الـثـانـي، والـشيخ الطبرسي في اعلام الورى، والسيد الصدر في بحث حول المهدي وغيرهم كثير, اذ قل ما يخلو كتاب من كتب الغيبة عن مناقشة هذا الموضوع، والاستدلال عليه. الفكر الديني يؤمن بظهور المصلح العالمي بعد غيبة: اما بالنسبة للفكر الديني فالامر فيه اوضح، اذ ان الاجماع على حتمية ظهور المصلح العالمي مقترن بـالايـمـان بـأن ظـهوره يأتي بعد غيبة طويلة، وهذا امر واضح من خلال مراجعة عقائدهم بهذا الـخـصـوص، فـقد آمن اليهود بعودة عزير او منحاس بن العازر بن هارون، وآمن النصارى بغيبة الـمـسـيح عليه السلام وعودته، وينتظر مسيحيو الاحباش عودة ملكهم تيودور كمهدي في آخر الزمان، وكذلك الهنود آمنوا بعودة فيشنوا, والمجوس بحياة اوشيدر, وينتظر البوذيون عودة بوذا, ومنهم من ينتظر عودة ابراهيم الخليل عليه السلام,وغير ذلك.(16) اذن، فـقـضـيـة الغيبة قبل ظهور المصلح العالمي ليست مستغربة لدى الاديان السماوية، ولا يمكن لـمـنـصف ان يقول بأن كلها قائمة على الخرافات والاساطير, فالخرافات والاساطير لا يمكن ان توجد فكرة متأصلة بين جميع الاديان، دون ان ينكر اي من علمائها اصل هذه الفكرة، فلم ينكر احد مـنـهـم اصل فكرة الغيبة، وان انكر صحة مصداق الغائب المنتظر في غير الدين الذي عشقه وآمن بالمصداق الذي ارتضاه. اذن، انتشار اصل هذه الفكرة في جميع الاديان السماوية كاشف عن ارضية اعتقادية مشتركة رسخها الـوحـي الالـهـي فـيها جميعا, ودعمتها تجارب الأنبياء عليهم السلام التي شهدت غيبات متعددة، مثل غيبة ابـراهـيم الخليل عليه السلام وعودته، وغيبة موسى عليه السلام عن بني اسرائيل وعودته اليهم بعد السنين التي قضاها في مدين، وغيبة عيسى عليه السلام وعودته في آخر الزمان التي اقرتها الايات الكريمة، وما اتفق عليه المسلمون من الاحاديث النبوية الشريفة، وغيبة نبي اللّه الياس عليه السلام التي قال بها اهل السنة كما صـرح بـذلك مفتي الحرمين الكنجي الشافعي، في الباب الخامس والعشرين من كتابه البيان في اخبار صاحب الزمان،وصرح كذلك بايمان اهل السنة بغيبة الخضر عليه السلام وهي مستمرة إلى ظهور المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في آخر الزمان، حيث يكون وزيره. بـل ان انـتشار فكرة غيبة المصلح العالمي في الاديان السابقة قد تكون مؤشرا على وجود نصوص سـماوية صريحة بذلك، كما سنلاحظ في نموذج النبوءة الواردة في سفر الرؤيا من الكتاب المقدس والتي طبقها الباحث السني سعيد ايوب على المهدي الامامي. امـا الاخـتـلاف فـي تشخيص هوية المصلح الغائب فهو ناشئ من الخلط بين النصوص المخبرة عن غيبات بعض الأنبياء عليهم السلام وبين المتحدثة عن غيبة المصلح العالمي بدوافع عدة سنشير اليها لاحقا. الاختلاف في تشخيص هوية المنقذ العالمي: نـتـيـجـة لـما مضى فان الاجماع قائم في الاديان السماوية على حتمية اليوم الموعود, وكما يقول العلامة المتتبع آية اللّه السيد شهاب الدين المرعشي النجفي في مقدمة الجزء الثالث عشر من احقاق الـحـق: ولـيـعـلم ان الامم والمذاهب والاديان اتفقت كلمتهم ـ الا من شذوندر ـ على مجيء مصلح سـمـاوي الهي ملكوتي، لاصلاح ما فسد من العالم، وازاحة ما يرى من الظلم والفساد فيه، وانارة ما غشيه من الظلم. غاية الامر, انه اختلفت كلمتهم بين من يراه عزيرا, وبين من يراه مسيحا, ومن يراه خليلا, ومن يراه ـ من المسلمين ـ من نسل مولانا الامام ابي محمد الحسن السبط, ومن يراه من نسل مولانا الامام ابي عبد اللّه الحسين السبط الشهيد. واذا اخـتـلـفـت الاديان، بل الفرق والمذاهب المتشعبة عنها في تحديد هوية المصلح العالمي، رغم اتفاقهم على حتمية ظهوره، وعلى غيبته قبل عودته الظاهرة، فما هو سر هذا الاختلاف؟ اسباب الاختلاف في هوية المنقذ المنتظر: ان مـا نـعتقده هو ان سبب هذا الاختلاف يرجع إلى تفسير النصوص والبشارات السماوية وتأويلها, اسـتـنـادا إلى عـوامـل خارجة عنها, وليس إلى تصريحات او اشارات في النصوص نفسها, وإلى الـتـأثـر العاطفي برموز معروفة لاتباع كل دين او فرقة، وتطبيق النصوص عليها ولو بالتأويل، بمعنى ان تحديد هوية المصلح الموعود لا ينطلق من النصوص والبشارات ذاتها, بل ينطلق من انتخاب شـخـصـيـة مـن الـخـارج، ومحاولة تطبيق النصوص عليها. يضاف إلى ذلك عوامل اخرى سياسية ومصلحية كثيرة، لسنا هنا بصدد الحديث عنها, ومعظمها واضح معروف فيما يرتبط بالاديان السابقة، وفـيـما يرتبط بالفرق الاسلامية، ومحورها العام هو: ان الاقرار بما تحدده النصوص والبشارات السماوية والنبوية نفسها ينسف قناعات لدى تلك الاديان، وهذه الفرق يسلبها مبرر بقائها الاستقلالي، ومسوغ اصرارها على عقائدها السالفة. اما بالنسبة للعامل الاول فنقول: ان النصوص والبشارات السماوية واحاديث الأنبياء واوصيائهم عليهم السلام بـشـأن الـمـصلح العالمي، تتحدث عن قضية ذات طابع غيبي، وعن شخصية مستقبلية، وعن دور تـأريـخـي كبير يحقق اعظم انجاز للبشرية على مدى تأريخها,ويحقق في اليوم الموعود اسمى طموحاتها, والانسان بطبعه ميال لتجسيد القضايا الغيبية في مصاديق ملموسة يحس بها, هذا من جهة ومن جهة اخرى فكل قوم يتعصبون لشريعتهم ورموزهم وما ينتمون اليه، ويميلون ان يكون صاحب هذا الدور التأريخي منهم. لذا كان من الطبيعي ان يقع الاختلاف في تحديد هوية المصلح العالمي، لان من الطبيعي ان يسعى اتباع كـل ديـن إلى اختيار مصداق للشخصية الغيبية المستقبلية، التي تتحدث عنها النصوص والبشارات الـثـابتة في مراجعهم المعتبرة والمعتمدة عندهم، ممن يعرفون ويحبون من زعمائهم، يدفعهم لذلك الـتعصب الشعوري او اللا شعروي لشريعتهم ورموزها, والرغبة الطبيعية العارمة في ان يكون لهم افتخار تحقق ذاك الدور التأريخي على يد شخصية تنتمي اليهم او ينتمون اليها. الخلط بين البشارات وتأويلها: من هنا اخذت كل طائفة تسعى لتطبيق الصفات التي تذكرها تلك النصوص والبشارات المروية لدى كل منها على الشخصية المحبوبة لديها, او اقرب رموزها إلى الصفات المذكورة، فاذا وجدت بعض تـلـك الـصـفـات صـريحة في عدم انطباقه على الشخصية التي اختارتها, عمدت إلى معالجة الامر بـالـتـأويـل والتلفيق. او بتغييبها او تحريفها, لتنطبق على من انتخبته مسبقا, اوالخلط بين النصوص والـبـشـارات الـسـماوية الواردة بشأن النبي اللاحق او المنقذ للعالم في برهة معينة، او المصحح لانـحـراف امـة معينة، وبين النصوص والبشارات الخاصة بالحديث عن المصلح العالمي الذي يقيم الدولة العادلة على كل الارض في آخر الزمان، ويحقق اهداف الأنبياء والأوصياء عليهم السلام جميعا. منهج لحل الاختلاف: وحيث اتضح سبب الاختلاف في تحديد هوية المصلح، امكن معرفة سبيل حله والتوصل الاستدلالي لمصداقه الحقيقي بصورة علمية سليمة ومقنعة، ويمكن تلخيص مراحله على النحو التالي: 1 ـ تـمييز البشارات والنصوص الخاصة بالمصلح العالمي الموعود في آخر الزمان، عن غيرها من الـواردة بـشـأن نـبـي او وصي معين، استنادا إلى دلالات نصوص البشارات نفسها ومن مصادرها الاصـلـيـة، وكذلك استنادا إلى ما تقتضيه المبادىء الاولية المرتبطة بمهام الأنبياء والأوصياء عليهم السلام وسـيـرهـم والـواقـع التأريخي الثابت، وكذلك ما تقتضيه معرفة الثابت من دوره ومهمته الكبرى كمصلح عالمي. 2 ـ تحديد الصفات والخصائص التي تحددها النصوص والبشارات نفسها للمصلح الموعود وبصورة مـجـتـمعة، وتوضيح الصورة التي ترسمها له قبل افتراض مسبق لمصداق لها, لكي لا تكون الصورة المرسومة له متأثرة بالمصداق المفترض سلفا. 3 ـ وبـعـد اكـتـمـال الـصورة التجريدية المستفادة، تبدا عملية تعرف على الصفات والخصائص والـحقائق التأريخية المذكورة، كمصاديق للمصلح العالمي الموعود, ثم عرضها على الصورة التي تـرسـمـهـا له نصوص البشارات نفسها, والمتحصلة من المرحلتين السابقتين، ليتم بذلك تبيان عدم انسجام صفات المصاديق غير الحقيقية مع تلك الصورة،ومن ثم معرفة المصداق الحقيقي من بينها. التعريف بالمهدي الامامي لحل الاختلاف: نـعـتـقد ان البشارات السماوية الواردة في الكتب المقدسة تهدي إلى المهدي المنتظر الذي يقول به مـذهـب اهـل الـبـيـت عليهم السلام, كـمـا سـنشير لذلك لاحقا, واثبتته دراسات متعددة في نصوص هذه الـبشارات،(17) لذلك فان جهلهم به هو احد الاسباب المهمة لاختلاف علماء الاديان السابقة في تـشـخـيـص هـويـة المصلح العالمي، الذي بشرت به نصوص كتبهم المقدسة، اذ لم يجدوا بين من يـعـرفون من تنطبق عليه الصفات التي حددتها له النصوص التي بين ايديهم، فعمدوا إلى تأويل هذه الصفات ليطبقوها على من يحبون، تأثرا بالعوامل الاخرى التي ذكرناها فيما سبق. من هنا فان مما يساعد على رفع هذا الاختلاف هو تعريف علماء واتباع تلك الديانات بعقيدة اهل البيت عليهم السلام في المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف, فاذا تعرفوه انفتحت امامهم آفاق اوسع للاهتداء للمصداق الحقيقي للمصلح العالمي الذي بشرت به اديانهم، وعرفوه وآمنوا به طبقا لدلالات نصوص البشارات الواردة في كتبهم المقدسة، حتى لو كان ايمانهم الجديد خلاف قناعاتهم السابقة. وكـنـمـوذج على تأثير هذا التعريف نشير ـ مثلا ـ إلى نتيجة تحقيق القاضي جواد الساباطي،من اعـلام القرن الثاني عشر الهجري، اذ كان في بداية امره عالما نصرانيا ثم تعرف الاسلام واعتنقه، عـلـى الـمذهب السني الذي كان اول ما عرف من الفرق الاسلامية، والف كتابه المعروف البراهين الـسـابـاطـيـة فـي رد الـنـصارى، واثبات نسخ شرائعهم استنادا إلى ما وردفي نصوص كتبهم المقدسة.(18) راي القاضي الساباطي كنموذج ففي معرض تناوله لهذه النصوص، تناول القاضي الساباطي احدى البشارات الواردة في كتاب اشعيا, مـن الـعـهـد القديم من الكتاب المقدس بشأن المصلح العالمي، ثم ناقش تفسير اليهود والنصارى لها, ودحـض تأويلات اليهود والنصارى لها ليخلص إلى القول: .. وهذا نص صريح فى المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف, حيث اجمع المسلمون انه ـ رضي اللّه عنه ـ لا يحكم بمجرد السمع والظاهر, ومجرد البينة، بل لا يلاحظ الا الباطن، ولم يتفق ذلك لاحد من الأنبياء والالياء, ثم يقول بعد تحليل النص: . .. وقد اختلف المسلمون في المهدي، فأما اصحابنا من اهل السنة، وجماعة قالوا: انه رجل من اولاد فاطمة سلام الله عليها, اسمه محمد واسم ابيه عبد اللّه، واسم امه آمنة. وقـال الامـامـيـون: بل هو محمد بن الحسن العسكري، الذي ولد سنة خمس وخمسين ومئتين، من جـاريـة لـلـحـسن العسكري اسمها نرجس في سر من راى في عصر المعتمد (العباسي), ثم غاب سنة،(19) ثم ظهر, ثم غاب، وهي الغيبة الكبرى، ولا يرجع بعدها الا حين يريد اللّه تعالى. ولـما كان قولهم اقرب لما يتناوله هذا النص، وان هدفي الدفاع عن امة محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع قطع النظر عن التعصب لمذهب، لذلك ذكرت لك ان ما يدعيه الامامية يتطابق مع هذا النص.(20) فـنـلاحظ هنا ان هذا العالم الذي خبر النصرانية يصرح بانطباق البشارة مورد البحث على المهدي الـمـنـتظر, طبق ما يعتقده مذهب اهل البيت عليهم السلام, على الرغم من انتمائه هو إلى المذهب السني بعد اعـتـناقه الاسلام، والمذهب السني يعتقد في تشخيص هوية المهدي المنتظر غير ما يراه الامامية، فـخـالـف راي المذهب الذي ينتمي اليه في هذا المجال، ورجح راى مذهب اهل البيت عليهم السلام, وصرح بـانـطباق بشارة كتاب اشعيا على هذا الراي. والذي اوصله إلى الاهتداء للمصداق الحقيقي هو تعرف راي الامامية في المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف,وبدون معرفة هذا الراي لعله لم يكن ليتوصل إلى المصداق الـذي تـنـطبق عليه البشارات المذكورة، ولولا ذلك لكان يقتصر اما على رد اقوال النصارى بشأن البشارة المذكورة، اواغفالها اصلا, او تأويل بعض دلالاتها, لتنطبق على راي المذهب السني الذي ينتمي اليه في المهدي الموعود. والملاحظة نفسها نجدها في دراسات علماء آخرين من اهل الكتاب، بشأن هذه البشارات، فقد اصبح عـلـيهم من اليسير معرفة المصداق الذي تتحدث عنه عندما تعرفواراي مذهب اهل البيت عليهم السلام في الـمـهدي المنتظر, وخاصة الذين اعتنقوا الاسلام وتهيأت لهم فرصة معرفة هذا الراي، واثارهم شـدة انـطباق ما تذكره البشارات التي عرفوها في كتبهم السابقة على المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف الذي تـؤمـن به الامامية، الامر الذي دفعهم إلى دراسة هذه البشارات في كتبهم، والنموذج الاخر هو: ما فـعـله العلامة محمد صادق فخر الاسلام، الذى كان نصرانيا واعتنق الاسلام وانتمى لمذهب اهل الـبـيت عليهم السلام, والف كتابه الموسوعي انيس الاعلام في رد اليهود والنصارى.(21) وتناول فيه دراسة هذه البشارات وانطباقها على الامام المهدي ابن الحسن العسكري عليهما السلام، مثل ما فعله العلامة محمد رضا رضائي الذي اعرض عن اليهودية ـ وقد كان من علماءها ـ واعتنق الاسلام، والف كتاب منقول رضائي الذي بحث فيه موضوع تلك البشارات واثبت النتيجة نفسها. الهوامش (1) راجـع مـثـلا كـتاب آية اللّه الشيخ محمد امين زين مع الدكتور احمد امين في حديث المهدي والمهدوية:13. (2) ملحقات احقاق الحق لاية اللّه المرعشي النجفي 29: 621 ـ 622. (3) الـعـقـيـدة والـشريعة في الاسلام: 218, حيث وصفها باءنها من الاساطير ذات الجذور غير الاسـلامـيـة , لـكـنه قال ايضا باتفاق كلمة الاديان عليها, المصدر: 192, والانكار الحديث للفكرة مصدره المستشرقين , وتابعهم بعض المتأثرين بهم من المسلمين امثال احمد امين . (4) الامامة وقائم القيامة للدكتور مصطفى غالب: 270. (5) النصوص الخاصة بالمهدي الموعود من كتاب بشارات عهدين بالفارسية للشيخ محمد الصادقي . (6) لمعرفة تفصيلات هذا التمهيد يراجع كتاب تاءريخ الغيبة الكبرى للسيد محمد الصدر في حديثه عن التخطيط الالهي لليوم الموعود قبل الاسلام: 251 وما بعدها. (7) راجع ايضا اهل البيت ـ عليهم السلام ـ في الكتاب المقدس , احمد الواسطي:121 ـ 123. (8) صـحـيفة العهد اللبنانية / العدد: 685 , مقال تحت عنوان حركة شهود يهوه , النشأة ,التنظيم , المعتقد. (9) بشارات عهدين: 261, نقلا عن كتاب ميزان الحق للقس الالماني فندر: 271. (10) المهدي الموعود ودفع الشبهات عنه للسيد عبد الرضا الشهرستاني: 65. (11) المصدر السابق: 7. (12) بـرنـاردشـو, لـلاسـتاذ عباس محمود العقاد: 124 ـ 125, وعلق الاستاذ العقاد على كلمة بـرنـاردشـو بالقول: يلوح لنا ان سوبرمان شوليس بالمستحيل , وان دعوته اليه لا تخلو من حقيقة ثـابـتـة , نقلا عن كتاب المهدي المنتظر في الفكر الاسلامي: 9, وقد نقلها عن العقاد الشيخ محمد حسن آل ياسين في كتابه المهدي المنتظر بين التصور والتصديق: 81. (13) راجـع تـوضـيـح هـذه الـنقطة في البحث القيم الذي كتبه آية اللّه الامام الشهيد الصدر حول المهدي: 41 ـ 48, ط. 3 / دار التعارف . (14) لمزيد من التوضيح راجع تأريخ الغيبة الكبرى: 276 وما بعدها. (15) بحث حول المهدي: 7 ـ 8. (16) راجع مثلا كتاب دفاع عن الكافي , للسيد العميدي 1: 181, واحقاق الحق 13: 3ـ 4. (17) نـظـير كتاب بشارات عهدين للشيخ الصادقي وترجمته العربية, بقلم المؤلف نفسه المطبوعة تحت عنوان البشارات والمقارنات (18) كشف الاستار للميرزا حسين النوري: 84. (19) لـعل من سهو القلم او النسخ , لان الثابت ان غيبة الامام المهدي بعد وفاة ابيه عليه السلام استمرت 69 سنة. (20) المصدر السابق: 85, وذكر ان كتاب البراهين الساباطية قد طبع قبل اكثر من ثلاثين سنة من تأريخ تاءليف كتابه كشف الاستار. (21) بـشـارات عـهدين: 232 ,وذكران العالم المذكور كان من متتبعي علماء النصارى ومحققيهم , واعتنق الاسلام بعد دراسة معمقة استغرقت امدا, والف عدة كتب, منها الكتاب المذكور الذي يوصف بأنه افضل ما ألّف في الرد على اليهود والنصارى |